الأستاذ راشد شاتيلا : لبنان و سيادة القانون ووحدة وطنية … الطريق الوحيد لصون الوطن في زمن الأزمات

في زمنٍ تتعاظم فيه التحديات وتضيق فيه هوامش الاستقرار، يقف لبنان أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز الحسابات والخلافات الظرفية، لتطال جوهر فكرة الدولة ومعنى الانتماء الوطني. لم تعد الوحدة الوطنية خيارًا سياسيًا يُطرح في سياق المساومات، بل أصبحت ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الضغوط الأمنية والاعتداءات المتكررة على السيادة، في مشهدٍ لا يحتمل المزيد من الانقسام .
إن الدولة التي يسود فيها القانون هي وحدها القادرة على حماية مجتمعها وضمان استمراريتها. فالقانون ليس مجرد إطار تنظيمي، بل هو التعبير الأسمى عن العدالة والمساواة، والضامن الحقيقي لحقوق الأفراد والجماعات. وعليه، فإن احترامه وتطبيقه دون استثناء يشكّل الأساس الذي تُبنى عليه الثقة بين المواطن ومؤسساته، وهو المدخل الطبيعي للحد من النزاعات الداخلية التي طالما أضعفت لبنان وأرهقته.
غير أن احترام القانون، على أهميته، لا يكتمل دون ترسيخ ثقافة الحوار كنهجٍ ثابت في إدارة الخلافات السياسية. فلبنان، بطبيعته التعددية، لا يمكن أن يُحكم بمنطق الغلبة، بل بمنطق التفاهم والتوازن. إن الحوار الهادئ والمسؤول ليس دليل ضعف، بل عنوان نضج سياسي ووطني، وهو السبيل الوحيد لتجنيب البلاد الانزلاق إلى صراعات أثبتت التجارب أنها لا تُنتج إلا المزيد من الخسائر والانقسامات.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها اللبنانيون، تصبح الحاجة إلى الاستقرار أكثر إلحاحًا، لأن أي توتر إضافي ينعكس مباشرة على حياة الناس ومعيشتهم. فالوطن الذي يئن تحت وطأة الأزمات لم يعد قادرًا على تحمّل كلفة الحروب أو حتى التوترات الداخلية، لأن نتائجها لا تقف عند حدود السياسة، بل تمتد لتصيب كل بيت وكل مواطن.
أما على الصعيد الخارجي، فإن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي اللبنانية تمثّل تحديًا مباشرًا للسيادة الوطنية، وتستدعي موقفًا موحدًا يضع مصلحة لبنان فوق أي اعتبار آخر. فالوحدة الداخلية تبقى السلاح الأقوى في مواجهة أي تهديد، وهي التي تعزّز قدرة الدولة على التحرك سياسيًا ودبلوماسيًا لحماية حقوقها والدفاع عن أرضها. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور العربي في دعم لبنان، ليس فقط عبر المواقف، بل من خلال خطوات دبلوماسية فاعلة تسهم في وقف هذه الاعتداءات وتثبيت الاستقرار.
غير أن أخطر ما تُخلّفه الأزمات والحروب لا يظهر فقط في لحظتها، بل في آثارها العميقة على المجتمع. فالشباب، الذين يُفترض أن يكونوا ركيزة المستقبل، يواجهون تحديات قاسية تدفع بالكثير منهم إلى الهجرة، ما يهدد بفقدان أهم طاقات الوطن. وذوو الاحتياجات الخاصة يعانون من غياب الرعاية الكافية في ظل تراجع الإمكانات، فيما يبقى كبار السن الفئة الأكثر هشاشة أمام الانهيارات الصحية والاجتماعية. ولا يمكن إغفال الأثر البيئي، حيث يتفاقم التلوث وتتدهور الموارد، ما يشكّل خطرًا حقيقيًا على صحة الإنسان واستدامة الحياة.
وفي خضم هذه الظروف، تبرز قضية النازحين كاختبارٍ إنساني وأخلاقي يعكس صورة المجتمع اللبناني وقيمه. إن التضامن معهم في هذه المرحلة الصعبة ليس مجرد واجب، بل هو تعبير عن عمق إنساني يجب أن يُصان، على أن يتم ذلك ضمن إطارٍ قانوني منظم يوازن بين الواجب الإنساني والمصلحة الوطنية.
إن لبنان اليوم أمام فرصة، رغم صعوبة الظروف، لإعادة ترتيب أولوياته على قاعدة واضحة: احترام للقوانين ، ولا استقرار دون وحدة، ولا مستقبل دون حوار. فحين يلتقي احترام القانون مع إرادة وطنية صادقة، يصبح بالإمكان تحويل الأزمات إلى منطلق لإعادة البناء، بدل أن تبقى سببًا دائمًا للانهيار.
ختامًا، إن صون لبنان لا يتحقق بالشعارات، بل بالالتزام الصارم بمبادئ الدولة، وفي مقدمتها سيادة القانون ووحدة الصف. فالوطن الذي يجتمع أبناؤه حول هذه القيم، قادر على تجاوز أصعب المحن، واستعادة مكانته كدولة تستحق الحياة والاستقرار.
الأستاذ راشد شاتيلا محلل سياسي لبناني خبير في الذكاء الاصطناعي و إدارة البيانات



