بين الفشل والإقالة: لماذا يكون المدرب أول الضحايا؟
اسمان معروفان خرجا من دائرة كرة القدم اللبنانية أخيراً تحت وطأة تحميلهما مسؤولية الاداء والنتائج، فهل المدرب هو المسوؤل دائماً عن الفشل؟

مرةً جديدة، تعود كرة القدم اللبنانية إلى معادلة قديمة تتكرّر مع كل اهتزاز في النتائج أو تراجع في الأداء: المدرب أول الضحايا.
خلال الفترة الأخيرة، خرج اسمان معروفان من المشهد تحت ضغط الانتقادات وتحميلهما مسؤولية ما جرى داخل الملعب، وهما مدرب منتخب لبنان المونتينغري ميودراغ رادولوفيتش، ومدرب النجمة التونسي راضي الجعايدي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه مفاده: هل المدرب هو المسؤول دائماً عن الفشل، أم أنه الحلقة الأضعف في دائرة أوسع من الأزمات؟
المسؤولية الفنية والواقع الصعب
لا تختلف كرة القدم اللبنانية كثيراً عن العديد من الدوريات العربية في التعامل مع المدربين، اذ عند أول هزّة، تتجه الأنظار مباشرةً إلى الجهاز الفني باعتباره المسؤول الأول عن الأداء. هنا أُقيل رادولوفيتش بعد نتائج غير مقنعة واداءٍ مخيّب للمنتخب الوطني، وافترق النجمة عن الجعايدي لعدم تمكنه من تحقيق التطلعات الكبيرة لجماهيره العريضة. في الحالتين، كان تغيير المدرب القرار الأنسب لامتصاص غضب الشارع الكروي.
لكن هذه الثقافة، ورغم شيوعها، لا تعني بالضرورة أنها صحيحة، فالمدرب يعمل ضمن منظومة تضم إدارةً، لاعبين، جهازاً طبياً، وبنية تنظيمية ومالية، وكل عنصر منها قادر على التأثير في النتائج بشكل مباشر.
عموماً، لا شك في أن المدرب يتحمّل جانباً مهماً من المسؤولية، خاصةً في ما يتعلق بالخيارات التكتيكية، اسلوب اللعب، إدارة المباريات، وتطوير اللاعبين. ومع ذلك، فإن تحميله كامل العبء يغفل عوامل أخرى غالباً ما تكون حاسمة، اذ ان المنتخب اللبناني مثلاً يواجه تحديات بنيوية ترتبط باللعبة بشكلٍ عام، فما يقدّمه بشكلٍ او بآخر هو غالباً مرآةً لما تُفرزه الأندية المحلية من مستوى الأداء الى تطوير اللاعبين.
تنقسم الآراء بين تحميل المدرب مسؤولية الفشل أو تقاسمها مع اللاعبين
صحيحٌ ان هذه المسألة لا تُغفل دور المدرب الأجنبي ومسؤوليته في تطوير اللاعب، لكن ايضاً استناداً الى الوقت القصير الذي يقضيه مع لاعبيه سنوياً مقارنةً بتواجدهم مع الأندية، فإن ارتباط هذه الاخيرة بالمنتخب لا مفرّ منه. طبعاً هذا الكلام لا يأتي في اطار تحميل الأندية مسؤولية الفشل بل للدلالة على الارتباط بينها وبين ما تقدّمه للمنتخب الوطني، تماماً كما هو الحال عليه عالمياً، حيث قيل دائماً في المانيا مثلاً: “اذا كان بايرن ميونيخ بخير فالمنتخب الألماني بخير”، او في ايطاليا حيث يتمّ ذكر يوفنتوس بشكلٍ خاص…
أما في حالة الجعايدي مع النجمة، فهناك رأيان فنيان، الأول يحاكي ظروف الفريق لناحية التغييرات الكبيرة التي طرأت على التشكيلة هذا الموسم، وبالتالي احتاج اللاعبون الى الوقت للتأقلم، لكن من دون ان يسقطوا دور المدرب في ارساء الكيميائية واسلوب لعبٍ مناسب للمجموعة. اما الرأي الآخر فيحمّل اللاعبين أنفسهم جزءاً من المسؤولية، معتبراً ان البعض منهم رسب تحت وطأة الضغوط الجماهيرية وضغوط التوقّعات التي وضعت “النبيذي” في السماء السابعة قبل انطلاق الموسم.
المدرب شمّاعة أم جزء من المشكلة؟
وبعيداً من لبنان، تبرز في كثيرٍ من الأحيان الحالة نفسها، وخصوصاً في محيطنا العربي، اذ يصبح المدرب شمّاعةً تُعلّق عليها كل الإخفاقات لأنه الخيار الأسرع للتغيير، من دون المساس بالبنية الأساسية للنادي. لكن التجارب العالمية تثبت أن الاستقرار الفني غالباً ما يكون مفتاح النجاح، وأن التغييرات المتكررة قد تؤدي إلى فقدان الهوية وتذبذب الأداء، لذا نرى فرصاً أكبر للمدربين قبل مواجهتهم المصير الاسوأ، والدليل الفترة التي أُعطيت للبرتغالي روبن أموريم لاعادة مانشستر يونايتد الانكليزي الى سابق عهده قبل ان تتمّ اقالته.
بكل الاحوال هذا الكلام لا يعني إعفاء المدربين من المسؤولية، بل وضعها في إطارها الصحيح، اذ ان النجاح والفشل في كرة القدم قد يكون احياناً نتاج عملٍ جماعي، وليس قراراً فردياً.
من هنا يأتي الرأي القائل بأن المدرب يصبح عرضةً للفشل في حال لم تتوفّر له الظروف الصحيّة للنجاح، وذلك أيّاً كانت خبرته أو اسمه.
باختصار، حالتَا رادولوفيتش والجعايدي تعطيان تجربةً للمستقبل ترتبط بأهمية اختيار المدرب الذي يتناسب مع المرحلة والظروف الواقعية المحيطة بوضع النادي او اللعبة، والمهمة التي سيتولاها، ليعمل بالتالي في بيئةٍ تلتقي مع افكاره وليقدّم المطلوب منه.
في النهاية، يبقى المدرب جزءاً أساسياً من المنظومة، لكنه ليس المسؤول الوحيد عن الفشل، لكن بصفته الرجل الذي يدير الدفّة فإن المساءلة تأتي صوبه من دون ان يشعر عند كل هفوة او “دعسة ناقصة”، في وقتٍ قد تبدو الحلول كثيرة لتفادي الخضات مثل بناء مشروع متكامل يعيد توزيع المسؤوليات ومنح هذا الفريق او ذاك فرصةً للنهوض الشامل.
الاخبار




