بدياس….حين تحوّل البيت إلى ركام والذاكرة إلى وجع…. بقلم الأستاذ صدر داوود

في بلدة بدياس الجنوبية،
كانت الغارة أعنف من أن تُروى بالكلمات،
كأن السماء انشقت دفعةً واحدة،
وألقت بثقلها فوق منزلٍ سكنيّ هادئ لم يكن ينتظر شيئًا.

في لحظاتٍ معدودة،
تحوّل المكان إلى مشهدٍ لا يشبه الحياة:
ركامٌ فوق ركام،
جدرانٌ اقتُلعت من جذورها،
أبوابٌ معلّقة في الفراغ،
وغبارٌ كثيف ابتلع الأزقة والبيوت،
حتى صار الهواء نفسه مثقلًا برائحة الدمار والموت.

كان الصراخ يعلو من كل اتجاه،
يمتزج بأصوات الانفجارات المتلاحقة،
وبالنداءات المذعورة
التي تبحث عمّن بقي تحت الأنقاض.

بيتٌ كاملٌ سقط كأنه لم يكن،
وآخر بقي واقفًا بجسدٍ مكسور،
نوافذه مخلّعة، وجدرانه متصدّعة،
كأنه يلتقط أنفاسه الأخيرة.

وفي قلب هذا المشهد،
كان الناس يركضون بين الركام،
يحفرون بأيديهم العارية،
ينادون أسماءً تاهت بين الغبار،
ويحاولون انتزاع حياةٍ من بين أنياب الموت.

شهيدٌ ارتقى،
وأطفالٌ جرحى،
ووجوهٌ صغيرة غطّاها التراب والدم،
وأجسادٌ ترتجف بين صدمة الانفجار ورعبه،
وأمهاتٌ لا يصدقن أن البيت الذي كان، قبل لحظاتٍ فقط،
ممتلئًا بالحياة…
صار فجأةً مقبرةً من الضوء المنطفئ.

رجلٌ يصرخ باسم ابنه بين الركام،
يرفع الحجارة بيدٍ مرتجفة،
كأن كل حجرٍ ينتزع منه جزءًا من روحه،
حتى إذا انكشف له وجهٌ صغير،
توقّف الزمن في عينيه.

وفي زاويةٍ أخرى،
طفلةٌ تُنقل على عجل إلى سيارة إسعاف،
وجهها مغطّى بالغبار،
وعيناها نصف مفتوحتين على حياةٍ تقاوم أن تُسلب منها،
بين أيدٍ تحاول إنقاذ ما تبقّى من نبضها.

لم يكن المشهد مجرّد دمار،
بل انهيارًا كاملًا لفكرة الأمان،
وكأن المكان فقد ذاكرته فجأة،
وبقي يصرخ بصمتٍ ثقيل لا ينتهي.

ومع امتداد الدقائق،
لم يهدأ شيء…
فالغارة لم تترك خلفها حجارةً مكسورةً فقط،
بل تركت قلوبًا مكسورةً أيضًا،
وبيوتًا فقدت ملامحها،
وأرواحًا ستظل عالقةً بين الركام والذاكرة.

وفي نهاية المشهد،
بدت بدياس كأنها تستعيد أنفاسها بصعوبة،
بين دخانٍ يتلاشى ببطء،
وصمتٍ أثقل من كل الضجيج الذي سبقه،
وصورةٍ لا تُمحى:

أن الدمار أحيانًا لا يُرى فقط…
بل يُشعَر به في كل شيء.

هكذا كانت واحدةً من المشاهد التي حفرتها الحرب في ذاكرة الجنوب،
مشاهد لا تنتهي بانتهاء الغارة،
بل تبقى حيّةً في القلوب،
وفي البيوت التي لم تعد كما كانت.

بدياس في :14 ايار 2026
صدر داوود

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى