“قرار إبعاد السفير الإيراني” | لعبة السقف المزدوج… توزيع الأدوار داخل الثنائي الشيعي في مواجهة قرار الدولة

قراءة تحليلية : رضا دياب

فجّر قرار وزارة الخارجية اللبنانية بإبعاد السفير الإيراني أزمة سياسية داخلية، سرعان ما تفاعل معها الثنائي الشيعي (حزب الله – حركة أمل) عبر بيانين متتاليين. هذه البيانات لم تكن مجرد ردود فعل، بل عكست مقاربة استراتيجية مزدوجة لإدارة الأزمة بين التصعيد والاحتواء.

لم يُنظر إلى القرار كإجراء دبلوماسي تقني، بل كتحوّل سياسي حساس يمسّ موقع لبنان في الصراع الإقليمي، ويطال بشكل مباشر العلاقة مع إيران كأحد أبرز حلفاء محور المقاومة.

تفكيك البيانين وتحليل أبعادهما

وحدة الهدف واختلاف الأسلوب

رغم اختلاف النبرة، يتقاطع بيان حزب الله وبيان حركة أمل عند نقطة مركزية: رفض القرار والمطالبة بالتراجع عنه.

الواقع: هذا يعكس موقفًا موحّدًا داخل التحالف، حيث لا يوجد خلاف استراتيجي، بل اختلاف في طريقة إدارة المواجهة.

التصعيد كأداة ضغط (حزب الله)

اعتمد حزب الله خطابًا عالي السقف، وصف فيه القرار بأنه خضوع لإملاءات خارجية وخدمة للعدو الإسرائيلي، مع نزع واضح لشرعيته السياسية.

الواقع: الهدف من هذا الخطاب هو رفع كلفة القرار إلى أقصى حد، ودفع الدولة اللبنانية إلى التراجع تحت ضغط سياسي وإعلامي.

الاحتواء كمسار حل (حركة أمل)

في المقابل، جاء بيان حركة أمل بنبرة أكثر هدوءًا، داعيًا إلى التراجع عن القرار لتجنب أزمة داخلية، ومركّزًا على الوحدة الوطنية ومواجهة إسرائيل.

الواقع: أمل تقدّم مخرجًا سياسيًا للأزمة، يسمح بالتراجع دون كسر هيبة الدولة أو الدخول في مواجهة مفتوحة.

توزيع المسؤوليات داخل الدولة

رغم النبرة التصعيدية العالية في بيان حزب الله، يلاحظ بشكل واضح أن الحزب لم يوجّه الاتهام إلى رئاسة الجمهورية، بل على العكس، اعتبر أن القرار يشكّل “تعديًا صارخًا على صلاحيات رئيس الجمهورية”.

الواقع: هذا التفصيل ليس عابرًا، بل يعكس محاولة واضحة للفصل بين مؤسسات الدولة، وتحديد جهة المسؤولية السياسية بالقرار، دون توسيع دائرة المواجهة لتشمل كامل النظام السياسي.

استراتيجية احتواء التصعيد داخليًا

من خلال هذا التموضع، يسعى حزب الله إلى:

تجنّب صدام مباشر مع رئاسة الجمهورية
الحفاظ على قنوات سياسية مفتوحة داخل الدولة
حصر المواجهة بجهة محددة (وزارة الخارجية)

الواقع: هذا السلوك يؤكد أن التصعيد، رغم حدّته، مضبوط بسقف سياسي مدروس، يهدف إلى الضغط دون تفجير شامل للأزمة.

إدارة السقف السياسي

التسلسل بين البيانين يكشف نمطًا واضحًا:

أولًا: رفع السقف (حزب الله)
ثانيًا: ضبط السقف (حركة أمل)

الواقع: هذا التكامل يضع الطرف الآخر أمام خيارين: مواجهة مكلفة أو تسوية ممكنة، ما يعزز موقع التحالف تفاوضيًا.

إعادة توجيه الصراع نحو إسرائيل

ركّز البيانان، خصوصًا بيان أمل، على أن التهديد الحقيقي هو العدوان الإسرائيلي، وليس الخلاف الداخلي.

الواقع: هذا التأطير يسعى لمنع انزلاق الأزمة إلى صراع داخلي، والحفاظ على أولوية الجبهة الجنوبية.

التصنيف التحليلي للبيانين

التصعيد الاستراتيجي: رفع حدة الخطاب لفرض ضغط سياسي مباشر على القرار.

الاحتواء السياسي: تقديم مخرج تفاوضي لتفادي الانفجار الداخلي.

التأطير الإقليمي: ربط القرار بالصراع الأكبر بين محور المقاومة والمحور الأميركي – الإسرائيلي.

إدارة الأزمة: توزيع أدوار داخل التحالف لضبط الإيقاع السياسي.

كيف يستفيد الثنائي من هذا الأسلوب

يستفيد الثنائي الشيعي من هذا التوازن عبر:

تعظيم الضغط على الدولة دون كسرها
الحفاظ على وحدة الموقف الداخلي
حماية العلاقة مع إيران كخط استراتيجي
إبقاء باب التسوية مفتوحًا

كما يسمح هذا النهج بتفادي الانزلاق إلى صدام داخلي، مع الاستمرار في فرض شروط سياسية غير مباشرة.

ماذا يخشى الثنائي؟

من خلال البيانين، تظهر ثلاثة مخاوف رئيسية:

تحوّل القرار إلى سابقة دبلوماسية
بداية إعادة تموضع لبنان بعيدًا عن إيران
تراكم خطوات مشابهة تؤدي إلى تغيير في ميزان القوى الداخلي

السيناريوهات المحتملة

1. تسوية سياسية: تراجع أو تعديل القرار مع حفظ ماء الوجه

2. تثبيت القرار: تصعيد سياسي وتوتر حكومي

3. توسّع الأزمة: انتقالها إلى الشارع أو ملفات أمنية

التقييم الواقعي لتأثير الخطابين

بناءً على المعطيات السياسية:

خطاب حزب الله: فعال في خلق ضغط سريع ورفع كلفة القرار سياسيًا.
خطاب حركة أمل: ضروري لضبط الأزمة ومنع تحولها إلى صدام داخلي.
التكامل بينهما: يعكس إدارة ناضجة للأزمة تقوم على توزيع أدوار واضح داخل التحالف.

في المحصلة، لا يمكن قراءة البيانين كخطابين منفصلين، بل كجزء من استراتيجية واحدة متعددة المستويات، تجمع بين الضغط والتفاوض، وتهدف إلى فرض التراجع دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية مفتوحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى